قصة نجاح
 رغم وقوفه على عتبات عامه الخمسين، ما يزال رجل الاعمال نبيل اسليم يتمتع بحيوية وحماسة الشباب متسلحا بالامل رغم قتامة المشهد.. لا يكل من النظر للامام والسعي الدؤوب نحو مزيد من الانجازات.

نبيل اسليم من مواليد نابلس عام 1963 لعائلة بسيطة متواضعة تتكون من اربعة اخوة وخمس اخوات كان هو رابعهم، اما والده فكان لديه محل لبيع الخضار في السوق الشرقي.

وكغيره من ابناء جيله، انخرط نبيل في الحياة العملية منذ نعومة اظفاره، خاصة وان والده كانت لديه فلسفة في الحياة مفادها بان البنت يجب ان تتعلم اما الولد فيجب ان يعمل.

ويقول نبيل: "منذ عام 1971 بدأت اعمل في مشاغل الخياطة وانا بعمر 8 سنوات، وكنت اتقاضى 10 قروش في الاسبوع، وكنت اساعد ابي في بيع الخضار وانا بعمر 10 سنوات".

كانت الطفولة التي عاشها نبيل موزعة بين الدراسة والعمل، فمنذ ساعات الفجر كان يذهب للعمل في الحسبة، وبعدها يتوجه الى المدرسة، وما ان يخرج من المدرسة حتى يتوجه الى عمله في مشغل الخياطة، وفي المساء يختتم يومه بمساعدة والده في بيع الخضار، وكانت الخياطة بالنسبة له هواية اكثر من مجرد حرفة.

وفي عام 1981 كان نبيل قد امتلك جميع مهارات الخياطة ما مكنه من انشاء مشغل خياطة وهو بعمر 17 عاما، وبدأ بالعمل مع خياطين اسرائيليين، الا ان العمل توقف في العام التالي 1982 بسبب الحرب على لبنان.

في 1984 سعى نبيل لدراسة تصميم الازياء في فرنسا، وقام ببيع معدات مشغل الخياطة الذي يملكه، وقدم اوراقه للالتحاق باحد المعاهد الفرنسية، لكن تدهور صحة والدته التي لم تكن راضية عن توجهه، دفعه للتراجع عن السفر لفرنسا.

عاد نبيل للعمل في مجال الخياطة، ولكنه كان يشعر بان الخياطين الفلسطينيين يعملون كعمال عند الاسرائيليين، فعمل في مؤسسة كبيرة في نابلس تنتج الملابس، وكان يعمل تحت اشرافه 25 عاملا.

تزوج نبيل في شهر كانون ثاني 1990، وبعد اسبوع واحد من زواجه تعرض للاعتقال في سجون الاحتلال ليمضي 15 شهرا ويخرج في شهر اذار 1991.

بداية الطريق

بعد خروجه من السجن، عاد نبيل الى عمله في المؤسسة، وبدأ بالعمل في انتاج الازياء النسائية، كما أنشأ مع اخوته مشغلا لتنجيد الاثاث، وفي نفس الوقت كان يعمل في مجال قص الملابس لمشاغل الخياطة.

ويقول نبيل: "عندما بدأنا نعمل في تنجيد الاثاث، وجدنا ان السوق الاسرائيلي متعطش للمنتج الفلسطيني، ولكن المستهلك الاسرائيلي لم يكن لديه ثقة بالمنتج الفلسطيني، فاعتمدنا على التميز بجودة التشطيب ودقة المواعيد، حيث كنا نعمل ما بين 16-18 ساعة يوميا".

وعندما اشتد الطلب على الاثاث، تقدم نبيل باستقالته من عمله في المؤسسة التي عرضت عليه العمل فيها لمدة ساعة واحدة فقط في صباح كل يوم للاشراف على العمال وتوزيع العمل، فوافق على العرض، ولكن بعد مدة لم يتمكن من الاستمرار بهذا الامر بسبب كثرة انشغالاته وسفره المتكرر الى داخل الخط الاخضر.

وفي عام 1995 منع نبيل من دخول الخط الاخضر، فأسس مع اخواته شركة اثاث في تل ابيب باسم "اميك امبيريا" وتم تسجيلها باسم شخص اسرائيلي تم تعيينه موظفا في الشركة، وفي نفس العام اسسوا شركة اسليمكو للاثاث في نابلس.

ومع تطور العمل في مجال الاثاث، تم في عام 1996 شراء مصنع اسرائيلي لانتاج الخشب الملتوي والذي كان الاول من نوعه في الضفة ولم يكن هناك الا مصنع واحد آخر مماثل في اسرائيل، وتعرضوا لمضايقات وعراقيل شديدة ادت الى تعطل المصنع كثيرا نتيجة عدم توفر المواد الخام.

في عام 1992 توجه نبيل لفتح خط لتجارة اقمشة المفروشات، وكان ذلك بهدف تجنب المخاطر العالية الناجمة عن تحصيل الشيكات الاسرائيلية، حيث كان يحصل على القماش من التجار الاسرائيليين بدلا من الشيكات، ويقوم بتسويق القماش في الاسواق المحلية.

وفي عام 1993 تخصص بشكل اكبر في مجال القماش، ليتطور الامر عام 1994 بانشاء شركة الطليعة لاقمشة المفروشات، ولأنه كان يشعر بان الاسرائيليين هم المستفيدون من تسويق بضائعهم في الاسواق الفلسطينية، سعى نبيل في العام 1995 للحصول على رخصة للاستيراد وبدأ باستيراد القماش عن طريق تجار لبنانيين من الولايات المتحدة، وكان الاستيراد يتم بالتهريب بسبب وجود وكيل اسرائيلي للشركة الامريكية لمنطقة الشرق الاوسط.

وبعد تزايد الضغوط على التاجر اللبناني اضطر لوقف التوريد لشركة الطليعة، فتوجه نبيل الى الاستيراد من اسبانيا من مصنع يملكه رجل اعمال فلسطيني اصله من بلدة بلعا، وبدأ بتزويد شركة "اميك امبيريا" بالقماش من شركة الطليعة ومنها يتم توزيع القماش في الاسواق الاسرائيلية.

ويذكر نبيل ان شركته كانت اول من ادخل قماش الستان الاسباني الى الاسواق الفلسطينية، واول شركة اعدت كاتالوجات بجودة عالية ووزعتها على معارض الاثاث.

في اوائل العام 1997 فتحت شركة الطليعة خطاً للاستيراد من تركيا، وحصلت على وكالة شركة "كاتشار" والتي كانت عبارة عن مصنع صغير جدا في ذلك الوقت، وبدأ يكبر وفي نفس الوقت كانت شركة الطليعة تكبر معه، وبدات الشركة تتوسع في الاستيراد من الخارج وتسوقه في الاسواق الاسرائيلية، وفي 1997 تم افتتاح فرع لشركة الطليعة في جنين، وفي العام التالي افتتاح فرع في رام الله.

ويقول نبيل: "كنت أحضر العديد من المعارض في المانيا وامريكا واسبانيا وتركيا، مما ساعدني في تطوير الافكار حول البضائع المستوردة، واصبح لنا لمسة فلسطينية خاصة بعد ان كان الاعتماد فقط على الاذواق الاسرائيلية، فاصبحنا نستورد بضائع تلبي الاذواق الفلسطينية واخرى تلبي الاذواق الاسرائيلية".

في هذا الوقت، كانت شركة اسليمكو تحقق الانجازات تلو الانجازات، ويقول نبيل: كنا في كل سنة نصمم كاتالوجات للكنب ونوزعها على المعارض الاسرائيلية، مما اعطى زخما قويا لشركة اسليمكو، ووصل عدد العمال في الشركة الى 60 عاملا وكنا نعمل على ورديتين في اليوم طوال ايام السنة".

وفي عام 2000 وباندلاع انتفاضة الاقصى، تغيرت الظروف الاقتصادية، وقام الاحتلال عام 2002 باغلاق مصنع اسليمكو عنوة، مما اضطرهم لنقل المصنع الى خارج نابلس كما هو حال الكثير من المصانع بسبب الاغلاق المحكم على المدينة.

وفي اللحظة التي انقطع فيها التواصل مع الشركات الاسرائيلية، قامت شركة اسليمكو بتطوير ادائها باضافة تصنيع غرف النوم والنجارة الخشبية ومنافسة البضائع الصينية بالجودة والتصاميم والاسعار، وفي 2003 تم افتتاح فرع لشركة اسليمكو في شارع بيت ايبا وتسليم ادارته للاخ الصغير محمد الذي لا يزال على راس الشركة، وقام نبيل فيما بعد بالتخارج مع اخوته في شركة اسليمكو وانهاء علاقته بالشركة.

اما شركة "اميك امبيريا"، ففي العام 1998 دخل الموظف الاسرائيلي كشريك بالنصف فيها، ومع اندلاع الانتفاضة بدأ نبيل واخوته يشعرون بفقدان حلقات السيطرة على الشركة بسبب ضعف الاتصال والتواصل الجغرافي، مما دفعهم الى بيع كامل حصصهم في الشركة.

وبسبب الركود الاقتصادي خلال انتفاضة الاقصى، آثر نبيل تقليص عمل شركة الطليعة الى الحد الادنى، والحرص على استمرار وديمومة العمل بغض النظر عن الظروف المحيطة، وتم التوجه الى التجارة الدولية بعمل تصاميم وموديلات وتسويقها في الاقطار العربية، مثل دبي وتونس والجزائر والمغرب ولبنان.

وفي عام 2009 حصلت الشركة على وكالة شركة "فلوكسر" التركية للاقمشة والتي تعتبر الاضخم على مستوى العالم في صناعة الفلوك والجلد، وتوج ذلك في 2012 بعقد ورشة عمل لتطوير المعرفة عند اصحاب مصانع الاثاث باستدعاء ممثلي المصانع المنتجة للاقمشة ودعوة 400 منجّد وصاحب معرض مفروشات، وقام اصحاب مصانع الاثاث بعرض آلية الانتاج وتم نقاش بين الطرفين بشكل مباشر.

ومع التحسن النسبي في الاوضاع الاقتصادية عام 2005، عمل نبيل على تنويع الاستثمار فتوجه للاستثمار بالعقار، وفي عام 2006 توجه للاستثمار بالسياحة من خلال المساهمة في اقامة منتجع حياة نابلس رغم ظروف الاغلاق والظروف غير المواتية، وكان الدافع الاساسي هو حبه لنابلس.

وفي 2008 زاد نبيل من مساحة الاستثمار بالعقار، بإقامة عدة مشاريع عقارية بشكل منفرد او بالشراكة مع اخرين، وكان لها مردود جيد عليه.

دور اجتماعي

ورغم انشغالاته باعماله ونشاطه الاقتصادي، لم يغفل نبيل الدور الاجتماعي الملقى على عاتقه، حيث سبق له ان شارك بلجان العمل التطوعي، وكان منسقا لفعاليات ربيع الاثاث هذا العام، وهو عضو في لجنة انشاء مبنى جامعة القدس المفتوحة في نابلس.

وعلى الصعيد الخيري، فان له مساهمات في مساعدة الطلبة الجامعيين وفق ضوابط ومعايير محددة، كما يساهم بدعم اجور الحرفيين المبتدئين الى حين الاعتماد على الذات، ويساهم بمساعدة بعض العائلات المحتاجة من خلال تاهيل منازلها، كما كان من الداعمين لقسم السرطان بمستشفى النجاح الجامعي.

ويعتقد نبيل ان الثقافة والتجربة والدراسة هما ثلاثة أقدام لا غنى عن احدها للحياة، ولهذا فانه حصل على عدة دورات في مجال الأيزو، والمحاسبة، وادارة الموارد البشرية.

ويقول نبيل ان والده ترك اثرا كبيرا في نفسه، من خلال التوجيهات التي كان يسديها له ولاخوته، وكان لوالده ثقة عالية به، وقد تعب كثيرا من اجل ابنائه ولم يتمكن من رؤية ثمرة تعبه قبل وفاته عام 1988.

ويؤكد نبيل على الدور الهام لزوجته فيما وصل اليه، حيث كانت داعما معنويا كبيرا وتحملت الظروف الصعبة وحرمت من الجامعة في بداية زواجها رغم تفوقها، وتفرغت لتربية الابناء، وبعد 15 سنة عادت لاكمال دراستها بإلحاح منه وتخرجت بتفوق من جامعة القدس المفتوحة في تخصص اللغة العربية.

ولدى نبيل اربعة ابناء، هم انتصار وتدرس في كلية الاقتصاد، وغسان الذي يدرس الهندسة، وفرح في الصف الحادي عشر، وعمرو في الصف الرابع الاساسي.

طموحات

وبعد كل ما حققه نبيل من انجازات ما زالت لديه العديد من الطموحات، اهمها انشاء دار للازياء، وقد اعد دراسة جدوى والتقى بالملحق التجاري التركي لهذا الغرض، حيث يرى بانه اذا لم يتم ايجاد دار ازياء فلسطينية فان حرفة الخياطة ستندثر خلال سنوات قليلة لانه لا يوجد جيل جديد يحترف الخياطة.

كما يطمح نبيل لفتح فروع لشركة الطليعة في القدس وغزة، ويطمح كذلك للشراكة مع مستثمرين لانشاء مصنع للنسيج في فلسطين، مشيرا الى انه يقوم حاليا بشراء اجود الخيوط من المانيا واستخدامها في انتاج الاقمشة في مصانع تركية حرصا على الجودة والمنافسة مع البضائع الصينية.

وسبق لنبيل ان حاول انشاء مصنع للزجاج، لكن واجهته بعض العقبات التي لم يتمكن من التغلب عليها بسبب عدم امكانية استيراد بعض المواد الخام